حُرّم سلطان: من أروقة القصر إلى قلوب المحتاجين | رائدة الأوقاف النسائية

عبر صفحات التاريخ الممتدة، تبرز أسماء خلّدها الزمان ليس بقوتها السياسية فحسب، بل بمدى الأثر الإنساني الذي تركته في حياة البسطاء والمحتاجين. ومن بين هذه الأسماء اللامعة، تبرز السيدة حُرّم سلطان (خاصكي سلطان)، كواحدة من أعظم وأقوى الشخصيات النسائية التي أعادت صياغة مفهوم "العمل الخيري المؤسسي". لم تكتفِ بمكانتها الرفيعة كزوجة لأقوى سلاطين الأرض في عصرها، بل قررت أن تبني جسوراً من الرحمة تمتد عبر القارات، لتؤسس بذلك أعظم إرث وقفي نسائي عرفه التاريخ الإسلامي.

من هي حُرّم سلطان؟

وُلدت حُرّم سلطان (والتي عُرفت في أوروبا باسم "روكسلانا") في أوائل القرن السادس عشر في منطقة روهاتين (أوكرانيا الحالية). قادتها الأقدار في سن مبكرة لتصل إلى قصر توبكابي في إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية. هناك، لم تكن مجرد فتاة عابرة، بل لفتت الأنظار بذكائها الحاد، وسرعة بديهتها، وشغفها بالتعلم، وروحها المرحة التي منحتها لقب "حُرّم" أي (الباسمة أو الجالبة للسرور).

بفضل ثقافتها الواسعة وحكمتها، أسرت قلب السلطان سليمان القانوني، الذي اتخذ قراراً تاريخياً غير مسبوق في التقاليد العثمانية؛ حيث أعتقها وتزوجها زواجاً رسمياً، لتصبح أول جارية تُتوج كزوجة قانونية للسلطان وتُمنح لقب "خاصكي سلطان" (السلطانة المفضلة أو الرئيسية). لقد كسرت حُرّم سلطان القواعد التقليدية، وأصبحت مستشارة السلطان الأقرب، تراسله في شؤون الدولة، وتستقبل الدبلوماسيين، وتتابع أحوال الإمبراطورية المترامية الأطراف.

فلسفة العطاء: من النفوذ السياسي إلى خدمة الإنسانية

رغم النفوذ السياسي الهائل الذي تمتعت به، أدركت حُرّم سلطان مبكراً أن السلطة الحقيقية والخلود الفعلي يكمنان في القدرة على تخفيف معاناة الناس. وبتوجيه من إيمانها العميق بمبدأ "الصدقة الجارية"، سخّرت ثروتها ومكانتها لتأسيس أوقاف ضخمة (كُليّات) تخدم كافة فئات المجتمع؛ من مرضى، وطلاب علم، وعابري سبيل، وفقراء. لقد كانت سبّاقة في تمويل مشاريع البنية التحتية الاجتماعية، لتسجل اسمها كأول امرأة في التاريخ العثماني تتبنى بناء مجمعات معمارية وخيرية ضخمة في العاصمة، بإشراف أشهر المعماريين وعلى رأسهم المعمار العبقري "سنان".

أبرز المعالم الخيرية والأوقاف الباقية

لم تكن أوقاف حُرّم سلطان مجرد مبانٍ، بل كانت مؤسسات حياة متكاملة وشرايين تنبض بالرحمة، ومن أبرزها:

  • مجمع خاصكي سلطان في إسطنبول (1551م):
    يُعد أول مجمع خيري كبير تبنيه امرأة في العاصمة العثمانية. اختارت بناءه في أحد أفقر أحياء إسطنبول (حي أكسراي). ضم المجمع مسجداً، ومدرسة لطلاب العلم، ومستشفى (دار شفاء) يقدم العلاج والدواء المجاني للمرضى من جميع الطبقات دون تمييز، بالإضافة إلى مطعم خيري (عمارة) كان يقدم وجبات الطعام الدافئة لآلاف الفقراء يومياً.
  • تكية خاصكي سلطان في القدس الشريف (1552م):
    من أعظم وأبرك مآثرها، حيث أسست مجمعاً خيرياً ضخماً على بعد خطوات من المسجد الأقصى المبارك. شمل المجمع خاناً لإيواء المسافرين، ومسجداً، ومطعماً مجانياً (تكية) استمر في إطعام الفقراء والمحتاجين، وطلاب العلم، وأهل القدس لأكثر من 400 عام، وما زالت روائح طعامها وبركتها تُذكر في أزقة القدس القديمة حتى اليوم.
  • أوقاف الحرمين الشريفين (مكة والمدينة):
    امتد عطاؤها إلى أقدس البقاع، حيث أمرت بتأسيس مطابخ مجانية لإطعام حجاج بيت الله الحرام وسكان مكة والمدينة، إلى جانب توفير المياه وحفر الآبار وبناء مرافق تخدم زوار المسجد النبوي الشريف لتخفيف مشقة السفر عليهم.
  • مرافق الصحة العامة والبنية التحتية:
    أسست حمامات عامة ضخمة (مثل حمام حُرّم سلطان الشهير بجوار آيا صوفيا) لتوفير النظافة العامة للسكان، وتوليد عائدات مالية تضمن استدامة أوقافها الخيرية وتدفق إيراداتها لمئات السنين، في عقلية إدارية تسبق عصرها في مفهوم "الاستدامة الوقفية".

وقف حرّم سلطان اليوم: إحياء لرسالة الأمس وتلبية لنداء الحاضر

إن المآثر العظيمة التي سطرتها السيدة حُرّم سلطان لم تكن لتنتهي بوفاتها عام 1558م، بل كانت البذرة التي ألهمت الأجيال المتعاقبة لمعنى أن تدير المرأة مؤسسة خيرية عابرة للحدود. واستلهاماً من هذا الإرث الإنساني العميق، تأسس وقف حرّم سلطان في عصرنا الحالي ليحمل نفس الاسم، ونفس الرسالة، ونفس الرؤية.

نحن في "وقف حرّم سلطان" نعتز بكوننا مؤسسة وقفية نسائية تسير على خطى رائدة العمل الخيري. وكما امتدت يدها قديماً لإطعام الجياع في القدس وعلاج المرضى في إسطنبول، تمتد أيدينا اليوم عبر هذا الوقف لبناء المساجد، وحفر آبار المياه في القرى النائية الإفريقية، وكفالة الأيتام، وتقديم الغذاء والدعم النفسي للمكلومين في غزة والسودان واليمن وكافة بقاع الأرض.

إننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن قلب المرأة وفطرتها المعطاءة، ورؤيتها الحانية، قادرة على إحداث تغيير جذري في العالم وتضميد جراح الإنسانية. ندعوكم لتكونوا جزءاً من هذه المسيرة الممتدة، لتستمر الصدقة الجارية، ولنبني معاً جسوراً من الرحمة لا يعترف عطاؤها بحدود الجغرافيا.

انقر للإطلاع على مشاريعنا